الشيخ محمد حسين الحائري
387
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
حجية أصل هذا القياس فلا حاجة لنا إلى التعرض لهذه التطويل التي لا طائل تحتها وكذا لا حجة لنا إلى التعرض للاستحسان والمصالح المرسلة بعد ما أطبق أصحابنا على عدم حجية ذلك ومن أراد الاطلاع فليطلب مظانه من كتب العامة القول في الاجتهاد والتقليد مقدمة الاجتهاد لغة تحمل الجهد والمشقة في تحصيل أمر وعرف عرفا بتعاريف أعرفها ما ذكره الحاجبي وتبعه فيه جماعة من أنه استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل الظن بحكم شرعي فالاستفراغ جنس ويخرج بتقييده بالقيود المذكورة استفراغ غير الفقيه واستفراغه لغير الوسع واستفراغه في غير تحصيل الظن وفي تحصيل الظن بغير الحكم الشرعي والاشكال على هذا الحد من وجوه منها ما ذكره العلامة التفتازاني من أن قيد الفقيه مستدرك إذ لا وجه للاحتراز عن غير الفقيه فإنه لا فقه إلا بعد الاجتهاد هذا ملخص كلامه ومحصله أن التعريف غير منعكس لان الفقه هو العلم بالأحكام المعهودة عن أدلتها والعلم بها عنها إنما يتحقق بعد الاستفراغ والاجتهاد فعنوان المجتهد يصدق قبل صدق عنوان الفقيه فلا يتناول الحد لجميع مصاديق المحدود ولو قال لا فقه غالبا إلا بعد الاجتهاد كان أولى لان الفقيه قد يصرف وسعه في تحصيل العلم من أول الأمر ويحصل العلم فيحصل الفقه بدون الاجتهاد ثم هذا إنما يرد إذا فسر الفقه بالعلم الفعلي وأما إذا فسر بالملكة والتهيؤ كما هو الظاهر وقد اخترناه في تعريفه سابقا فلا ريب في تقدمه على الاجتهاد فلا يتوجه الاشكال إذ على هذا التقدير يكون مرتبة الفقه متقدمة على مرتبة الاجتهاد فلا يختل عكس الحد بأخذه فيه وقد أشار إليه التفتازاني بقوله إلا أن يراد بالفقه التهيؤ لمعرفة الاحكام وزعم الفاضل المعاصر أن أخذ الفقيه في الحد يوجب الدور وقرره بأن معرفة الفقه تتوقف على معرفة الاجتهاد لأنه على ما سبق هو العلم بالأحكام المقررة عن أدلتها وهو لا يتحقق إلا بكونه مجتهدا فلا فقه إلا مع الاجتهاد أقول وكأن هذا توهم في كلام التفتازاني وقد نبهنا على مراده وكيف كان فوجه لزوم الدور هنا على بيانه غير واضح لأن عدم تحقق الفقه بدون الاجتهاد لا يوجب توقف معرفته عليه إذ لا يلزم من توقف شئ على شئ في الخارج توقفه عليه في التصور نعم يتوجه ذلك إذا فسر الفقيه بالمجتهد كما ذكره بعضهم لكنه تفسير غير معروف والفاضل المذكور لم يقرر الدور عليه بل على التفسير المعروف ثم ذكر في دفع الدور وجهين الأول أن المراد بالفقيه من مارس الفقه احترازا عن مثل المنطقي وهذا التفسير قد ذكره الشيخ البهائي نقلا عن بعض شراح المنهاج قال وليس المراد به المجتهد كما قد يظن ثم أورد المعاصر المذكور عليه أولا بأنه مجاز ولا قرينة عليه وثانيا بأن الممارس قد يستفرغ وسعه ويعجز عن الاستنباط مع أنه حينئذ لا يسمى مجتهدا فإن قيل لا يصدق في حقه استفراغ الوسع قلنا فكذا في المنطقي وأشباهه فلا فائدة في التقييد ولا يخفى ما فيه بل الوجه منع عدم الصدق الثاني أن المراد بالاجتهاد فعلية الاستفراغ كما هو ظاهر اللفظ وبالفقه ملكة العلم بالأحكام وأنت خبير بأنه راجع إلى ما ذكره التفتازاني وهو ينهض بدفع الدور الذي توهمه إذ الفقه الشأني لا يتوقف على الاجتهاد الفعلي لكن قد عرفت أن الدور في نفسه غير متوجه وأن المتوجه إنما هو إشكال عدم الانعكاس كما بينا ثم قال والتحقيق أنه إن أريد تحديد الاجتهاد بالمعنى الأعم وجعل الفقه أيضا كذلك فنقول الفقه هو العلم بالأحكام الناشئة عن الأدلة والاجتهاد هو استنباط الاحكام منها ولا التفات في التعريفين حينئذ إلى ما يتقوم به الأمران ولذلك تراهم بعد ذكر تعريف الاجتهاد يجعلون المعرفة بما يتوقف عليه ومنه القوة القدسية من شرائطه لا من مقوماته وإن أريد تعريف صحيحهما فالاجتهاد هو الاستفراغ في تحصيل الحكم الشرعي الفرعي من أدلتها لمن عرف الأدلة وأحوالها وكان له القوة القدسية التي يتمكن بها عن مطلق رد الفرع إلى الأصل والفقه هو العلم الحاصل بالأحكام الشرعية والفرعية عن أدلتها لمن كان كذلك فلا يدخل شئ منها في تعريف الاخر ولا يلزم دور انتهى ملخصا والتحقيق أن الفقه والاجتهاد ولا يطلقان على وجه الحقيقة عرفا إلا على المعنى المعتبر الصحيح وإطلاقه على غيره مجاز والحدود التي تورد في المقام إنما تساق لبيان المعنى الحقيقي دون المجازي ثم الفقه والاجتهاد باعتبار ما يتوقفان عليه من العلوم والقوة القدسية ليسا من المركبات بل من البسائط المعتبرة معها قيود عديدة فهي شرائط لهما لا أجزأ ومقومات لماهيتهما ومن هذا البيان يظهر أن قوله ومنه القوة القدسية لا يستقيم إلا بارتكاب تخصيص واستخدام والوجه في البيان ما ذكرناه إذ الذي يذكرونه من الشرائط نفس القوة لا معرفتها وليس في تعرضهم لشرائط الاجتهاد بعد تعريفه ما يدل على إرادتهم منه المعنى الأعم بل ذلك قرينة واضحة على إرادة المعنى الأخص بدليل أن المعنى الأعم لا يعتبر فيه تلك الشرائط وإنما المشروط بها المعنى الأخص ويظهر من بيانه أنه إنما اعتبر الشرائط في تعريف صحيح الاجتهاد والفقه قصدا إلى إدخالها في المقومات ومن الواضح أن ما ذكره تعريف رسمي لا حد حقيقي فكيف يوجب دخول القيود المذكورة فيه في المقومات مع أن دخولها فيها غير معقول في نفسه على ما مر كما لا يخفى الثاني ما ذكره المعاصر المذكور أيضا وحاصله أن قيد الظن مستدرك بل مفسد لعكس الحد لان المقصود به الاحتراز عن الضروريات أو القطعيات والأول خارج عن الاستفراغ والثاني لا يحسن إخراجه لان الاجتهاد قد ينتهي إلى القطع وفيه أن مصطلح القوم منعقد على